السيد كمال الحيدري

398

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

من المعاصرين يقول الطباطبائي : « الخلافة : وهى قيام شئ مقام آخر ، لا تتمّ إلّا بكون الخليفة حاكياً للمستخلِف في جميع شؤونه الوجودية وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلِف » « 1 » . ما يفيده النصّ أنّ هذا الموجود الذي عُهد إليه بالخلافة لا يصحّ أن يكون خليفة من الوجهتين العرفية والعقلائية إلّا إذا حاكى المستخلِف في شؤونه بالمقدار الممكن ، وإلّا لم يتحقّق الغرض الذي من أجله وضع هذا خليفةً لذاك . فالغاية من الاستخلاف أن ينهض المستخلَف مقام المستخلِف في الشؤون التي ينجزها المستخلِف وشاء أن يعهد بها إلى خليفته . هذا هو معنى الخليفة ، وبه يتّضح مفهوم الخلافة . مَن هو المستخلِف ؟ ثمَّ مقدّمة أخرى ترتبط في تحديد المستخلِف ، فهذا الموجود المجعول خليفة في الأرض يريد أن يخلف مَن ؟ ذهب بعض المفسِّرين إلى أنّه ربّما كان في الأرض قوم آخرون كالجنّ أو غيرهم ، وجاء الإنسان ليصير خليفة لهم . لكن القرائن الموجودة في الآية تبيّن أنّ المستخلِف هو الله سبحانه ، وأنّ هذا الموجود الأرضي هو خليفة عن الله جل جلاله . القرينة الأساسية التي يمكن إقامتها لإثبات هذه الحقيقة أنّه لو كانت الخلافة في الآية هي عن موجود أرضىّ آخر كان قبل الإنسان وانقرض ، ثمّ أراد الله سبحانه أن يخلفه بالإنسان ، كما احتمله بعض المفسِّرين ونقله الفخر الرازي عن ابن عبّاس « 2 » ؛ لو كان هذا المعنى هو المقصود فهو لا ينسجم مع تساؤل

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 115 . ( 2 ) نقل الرازي هذا الوجه عمّن تبنّاه ، بما مفاده : لمّا نفى الله سبحانه الجنّ من الأرض وخلق آدم وأسكنه الأرض ، صار آدم خليفة لأولئك الذين تقدّموه ، لا خليفة عن الله سبحانه . وقد ذكر أنّ هذا الوجه مروىّ عن ابن عبّاس ، بيدَ أنّه ضعّفه بترجيح الوجه الآخر عليه . ينظر : التفسير الكبير ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 165 .